عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

230

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 12 ) وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِه إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 13 ) * ( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) * يخافون عذابه غائبا عنهم لم يعاينوه بعد ، أو غائبين عنه أو عن أعين الناس ، أو بالمخفي منهم وهو قلوبهم . * ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) * لذنوبهم . * ( وأَجْرٌ كَبِيرٌ ) * تصغر دونه لذائذ الدنيا . * ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِه إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * بالضمائر قبل أن يعبر عنها سرا أو جهرا . أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِه وإِلَيْه النُّشُورُ ( 15 ) * ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ) * ألا يعلم السر والجهر من أوجد الأشياء حسبما قدرته حكمته . * ( وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن ، أو ألا يعلم اللَّه من خلقه ، وهو بهذه المثابة والتقييد بهذه الحال يستدعي أن يكون ل * ( يَعْلَمُ ) * مفعول ليفيد ، روي : أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء ، فيخبر اللَّه بها رسوله فيقولون : أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنبه اللَّه على جهلهم . * ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً ) * لينة يسهل لكم السلوك فيها . * ( فَامْشُوا فِي مَناكِبِها ) * في جوانبها أو جبالها ، وهو مثل لفرط التذليل فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلل له ، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شيء لم يتذلل . * ( وكُلُوا مِنْ رِزْقِه ) * والتمسوا من نعم اللَّه . * ( وإِلَيْه النُّشُورُ ) * المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم . أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ( 17 ) * ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ ) * يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم ، أو اللَّه تعالى على تأويل * ( مَنْ فِي السَّماءِ ) * أمره أو قضاؤه ، أو على زعم العرب فإنهم زعموا أنه تعالى في السماء ، وعن ابن كثير « وأمنتم » بقلب الهمزة الأولى واوا لانضمام ما قبلها ، « وآمنتم » بقلب الثانية ألفا ، وهو قراءة نافع وأبي عمرو ورويس . * ( أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ ) * فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل من بدل الاشتمال . * ( فَإِذا هِيَ تَمُورُ ) * تضطرب ، والمور التردد في المجيء والذهاب . * ( أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ) * أن يمطر عليكم حصباء . * ( فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ) * كيف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ . ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 18 ) أَولَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّه بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ( 19 ) * ( وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * إنكاري عليهم بإنزال العذاب ، وهو تسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم وتهديد لقومه المشركين . * ( أَولَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ ) * باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ، فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها . * ( ويَقْبِضْنَ ) * ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التحريك ، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتفرقة بين الأصل في الطيران والطارئ عليه . * ( ما يُمْسِكُهُنَّ ) * في الجو على خلاف